ابن عجيبة
156
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : تصريف الشيء : إجراؤه على أحوال متعاقبة وجهات مختلفة ، ومنه : تصريف الرياح لهبوبها من جهات مختلفة ، ولما كانت آيات القرآن تنزل على أنواع مختلفة في أوقات متعاقبة ، شبهت ، بتصريف الرياح على أنحاء مختلفة ، ( وليقولوا ) : متعلق بمحذوف ، أي : وليقولوا : درست ، صرفنا الآيات ، واللام للعاقبة ، وكذلك : ( ولنبينه ) : المتعلق واحد . يقول الحق جل جلاله : ومثل ذلك التصريف الذي صرفنا من الآيات ، من قوله : إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى « 1 » إلى قوله : قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ « 2 » - نُصَرِّفُ الْآياتِ في المستقبل لتكون عاقبة قوم الشقاء بها بتكذيبهم إياها ، وَلِيَقُولُوا لك : دارست « 3 » أهل الكتاب ، وتعلمت ذلك منهم ، وليس بوحي ، أو دَرَسْتَ هذه الأخبار وعفت ، وأخبرت بها من إملاء غيرك عليك ، كقولهم : أساطير الأولين ، وليكون عاقبة قوم آخرين الاهتداء ، وإليهم الإشارة بقوله : وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي : وليتضح معناه عند قوم آخرين ، فيهتدوا به إلى معرفتي وتوحيدي ومحل رضواني وكرامتي ، فالخطاب متحد ، والأثر مختلف على حسب السابقة . الإشارة : ظهور الآيات على يد أهل الخصوصية - كالعلوم اللدنية والمواهب الربانية - لا يوجب لهم التصديق لجميع الخلق ، فلو أمكن ذلك لكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أولى به ، بل لا بد من الاختلاف ، فقوم قالوا : هذه العلوم . . . دارس فيها وتعلمها ، وقوم قالوا : بل هي من عند اللّه لا كسب فيها ، قال تعالى : وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ « 4 » . ثم أمر نبيه بالإعراض عن أهل الإنكار ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 106 إلى 107 ] اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 106 ) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 107 ) يقول الحق جل جلاله : اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ بالدوام على التمسك به ، والاهتداء بهديه ، ودم على توحيده ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ؛ فلا تصغ إلى من يعبد معه غيره ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ، فلا تحتفل بأقوالهم ، ولا تلتفت إلى رأيهم ، وهذا محكم ، أو : أعرض عن عقابهم وقتالهم ، وهو منسوخ بآية السيف ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا : لكن سبقت مشيئته بإشراكهم ، ولو أراد إيمانهم لآمنوا ، وهو حجة على المعتزلة ، وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً : رقيبا ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ تقوم بأمرهم ، وتلجئهم إلى الإيمان ؛ إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ « 5 » .
--> ( 1 ) الآية 95 من سورة الأنعام . ( 2 ) الآية 104 من السورة نفسها . ( 3 ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ( دارست ) بألف ، وقرأ ابن عامر ويعقوب ( درست ) أي : قدمت وبليت ، وقرأ الباقون ( درست ) أي : حفظت وقرأت . . انظر : إتحاف فضلاء البشر . ( 4 ) الآية 118 من سورة هود . ( 5 ) الآية 23 من سورة فاطر .